ابراهيم بن عمر البقاعي

19

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

قال الحرالي : الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ الذين ظهر منهم المراغمة وتعمد المخالفة فيوجب ذلك الغضب من الأعلى والبغض من الأدنى . و الضَّالِّينَ الذين وجهوا وجهة هدى فزاغوا عنها من غير تعمد لذلك . « أمين » كلمة عزم من الأمن ، مدلولها أن المدعو مأمون منه أن يرد من دعاه لأنه لا يعجزه شيء ولا يمنعه وهي لا تصلح إلا للّه لأن ما دونه لا ينفك عن عجز أو منع انتهى وهو صوت سمي به الفعل الذي هو استجب وقد انعطف المنتهى على المبتدأ بمراقبة القسم الأول اسم اللّه فحازوا ثمرة الرحمة وخالف هذان القسمان فكانوا من حزب الشيطان فأخذتهم النقمة ، وعلم أن نظم القرآن على ما هو عليه معجز ، ومن ثم اشترط في الفاتحة في الصلاة لكونها واجبة فيها الترتيب ، فلو قدم فيها أو أخر لم تصح الصلاة وكذا لو أدرج فيها ما ليس منها للإخلال بالنظم . قال الأصبهاني « 1 » : فإن القرآن معجز والركن الأبين الإعجاز يتعلق بالنظم والترتيب . انتهى . والحاصل أنه لما رفعت تلك الصفات العلية لمخاطبها الحجب وكشفت له بسمو مجدها وعلو جدها وشرف حمدها جلائل الستر وأشرقت به رياض الكرم ونشرت له لطائف عواطفها بسط البر والنعم ثم اخترقت به مهامه العظمة والكبرياء وطوت في تيسيرها له مفاوز « 2 » الجبروت والعز وأومضت « 3 » له بوارق النقم من ذلك الجناب الأشم وصل إلى مقام الفناء عن الفاني وتمكن في رتبة شهود البقاء للباقي فبادر الخضوع له معرضا عن السوى حاكما على الأغيار بما لها من ذواتها من العدم والتوى فقال : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وفي تلك الحال تحقق العجز عن توفية ذلك المقام ما له من الحق فقال : وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ . فكشف له الشهود في حضرات المعبود عن طرق عديدة ومنازل سامية بعيدة ورأى أحوالا جمة وأودية مدلهمة « 4 » وبحارا مغرقة وأنوارا هادية وأخرى محرقة ، ورأى لكل أهلا قد أسلكوا فجاء تارة حزنا وأخرى سهلا ، وعلم أن لا نجاة إلا بهدايته ولا عصمة بغير عنايته ولا سعادة إلا برحمته ولا سلامة لغير أهل نعمته ؛ فلما أشرق واستنار وعرف مواقع الأسرار بالأقدار كأنه قيل له : ماذا تطلب وفي أي مذهب تذهب ؟ فقال : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ .

--> ( 1 ) هو الإمام المفسر محمود بن عبد الرحمن الشافعي الأصفهاني توفي سنة : 749 . ( 2 ) المفازة : الموضع المهلك ومفاوز : مهالك . ( 3 ) أومض البرق إيماضا لمع لمعانا خفيفا . ( 4 ) ادلهمّ الظلام : كثف واسود ومدلهم مبالغة والدهمة : السواد .